ابن الجوزي

163

صفة الصفوة

ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا ثم أفاق فقال له : زدني رحمك اللّه فقال : يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه . فكتب إليه عمر : يا أخي أذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند اللّه فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء . قال فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى اللّه عزّ وجل . قال : فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدني رحمك اللّه . فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أمّرني على إمارة فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » . فبكى هارون بكاء شديدا وقال له زدني رحمك اللّه فقال : يا حسن الوجه أنت الذي يسألك اللّه عزّ وجل عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل ، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لأحد من رعيتك فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة » « 1 » . فبكى هارون وقال له عليك دين ؟ قال نعم دين لربي يحاسبني عليه ، فالويل لي إن سألني ، والويل لي إن ناقشني ، والويل لي إن لم ألهم حجّتي قال : إنما أعني دين العباد . قال : إن ربي لم يأمرني بهذا ، أمر ربي أن أوحّده وأطيع أمره ، فقال عزّ وجل وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ سورة الذاريات آية 56 - 58 ] . فقال له هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقوّبها على عبادك فقال : سبحان اللّه أنا أدلّك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا ؟ سلمك اللّه ووفقك .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم .